فصل: ثم دخلت سنة إحدى ومائتين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنه تسع وتسعين ومائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ قدوم الحسن بن سهل بغداد من عند المأمون وإليه الحرب والخراج فلما قدمها فرق عماله في الكور والبلدان ‏.‏

وفيها‏:‏ شخص طاهر إلى الرقة في جمادى ومعه عيسى بن محمد بن أبي خالد وشخص هرثمة إلى خراسان وخرج أزهر بن زهير بن المسيب إلى الهرش فقتله في المحرم ‏.‏

وفيها‏:‏ خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن ابن الحسن بنَ علي بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة يدعو إلى الرضى من آل محمد والعمل بالكتاب والسنة وهو الذي يقال له ابن طباطبا ‏.‏

وكان القيم بأمره في الحرب وتدبيرها وجيوشها أبو السرايا واسمه السري بن منصور وكان يذكر أنه من ولد هانئ بن قبيصة ‏.‏

وكان سبب خروج هذا الرجل صرف المأمون طاهر بن الحسين عما كان إليه من أعمال البلدان التي افتتحها وتوجيهه ذلك إلى الحسن بن سهل فلما فعل ذلك تحدث الناس أن الفضل قد غلب على المأمون وأنه يبرم الأمور على هواه ويستبد بالرأي دونه فغضب لذلك بالعراق مَنْ بها من بني هاشم ووجوه الناس وأنفوا من غلبة الفضل على المأمون واجترءوا على الحسن بن سهل بذلك وهاجت الفتن في الأمصار وكان أول من خرج بالكوفة ابن طباطبا وكان أبو السرايا من رجال هرثمة فمطله برزقه فغضب ومضى إلى الكوفة وبايع محمد بن إبراهيم وأخذ الكوفة واستوثق له أهلها بالطاعة وأقام محمد بالكوفة وأتاه الناس من النواحيِ والأعراب ‏.‏

فلما بلغ الخبر إلى الحسن بن سهل ذلك عنف سليمان بن المنصور وكان عامل الكوفة من قبل الحسن بن سهل ووجه زهير بن المسيِب في عشرة آلاف فلقوه فهزموه واستباحوا عسكره وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودواب وغير ذلك وكان هذا اليوم الأربعاء سلخ جمادى الآخرة فلما كان من الغد مات محمد بن إبراهيم فجاءةً فيقال إن أبا السرايا سمه ‏.‏

وكان السبب فيِ ذلك‏:‏ أنه لما جاز ما فيِ عسكر ابن زهير منع منه أبا السرايا فعلم أنه لا أمر له معه فسمّه وأقام أبو السرايا مكانه غلامًا حدثًا يقال له‏:‏ محمد بن محمد بن زيد بن علي بن أبي طالب وكان أبو السرايا هو الذي ينفَذ الأمور ويولي مَنْ يرى ويعزل من يريد ‏.‏

ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة فوجّه الحسن عبدوس بن محمد بن أبيِ خالد فيِ أربعة آلاف فتوجه إليه أبو السرايا فواقعه يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من رجب فقتله وأسر هارون بن أبي خالد واستباح عسكره بين قتيل وأسير فلم يفلت منهم أحد وانتشر الطالبيون في البلاد وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة ونقش حولها‏:‏ ‏{‏إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص‏}‏‏.‏

ولما بلغ زهير قتل أبي السرايا عبدوسًا وهو بالقصر انحاز بمن معه إلى نهر الملك ‏.‏

ثم إن أبا السرايا أقبل حتى نزل قصر ابن هبيرة بأصحابه وكانت طلائعه تأتي كُوثَى ونهر الملك ووجّه أبو السرايا جيوشًا إلى البصرة وواسط فدخلوها وكان بواسط ونواحيها عبد الله بن سعيد الحَرَشيّ واليًا عليها من قبل الحسن بن سهل فواقعه جيش أبي السرايا قريبًا من واسط فهزموه فانصرف راجعًا إلى بغداد وقد قُتل من أصحابه جماعة وأسر آخرون فلما رأى الحسن بن سهل أن أبا السرايا ومَنْ معه لا يلْقون له عسكرًا إلا هزموه ولا يتوجهون إلى بلدة إلا دخلوها ولم يجد فيمن معه من القوَّاد مَنْ يكفيه حربه اضطر إلى هرثمة - وكان هرثمة حين قدم الحسن العراق واليًا عليها من قبل المأمون سلم له ما كان بيده بها من الأعمال ثم توجَّه إلى خراسان مغاضبًا للحسن فسار حتى نزل حلوان - فبعث إليه الحسن السندي وصالحًا صاحب المصلى فسأله الانصراف إلى بغداد لحرب أبي السرايا فامتنع فانصرفت الرسل إلى الحسن بإبائه فأعاد عليه السندي بكتب لطيفة فأجاب فانصرف إلى بغداد فقدمها في شعبان وتهيأ للخروج إلى الكوفة فأمر الحسن بن سهل علي بن أبي سعيد أن يخرج إلى ناحية المدائن وواسط والبصرة فتهيأوا لذلك ‏.‏

وبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة فتوجّه إلى المدائن فدخلها أصحابه في رمضان وتقدم هو بنفسه وَمَنْ معه حتى نزل نهر صَرْصَر مما يلي طريق الكوفة وكان هرثمة لمّا احتبس قدومه على الحسن ببغداد أمر منصور بن المهدي أن يخرج فيعسكر بالياسريّة إلى قدوم هرثمهَ فخرج فعسكر فلما قدم هرثمة خرج فعسكر بين يدي المنصور ثم مضى حتى عسكر بنهر صَرْصَر بإزاء أبي السرايا والنهر وكان علي بن أبي سعِد معسكرًا بكلواذا فشخص يوم الثلاثاء بعد الفطر بيوم ووجّه مقدمته إلى المدائن فقاتل بها أصحاب أبي السرايا وأخذ علي بن أبي سعيد المدائن فقاتل بها أصحاب أبي السرايا غداة الخميس إلى الليل ثم غدوا على القتال فانكشف أصحاب أبي السرايا وأخذ علي بن أبي سعيد المدائن وبلغ الخبر أبا السرايا من يومه فلما كان ليلة السبت لخمس خلون من شوَّال رجع أبو السرايا من نهر صَرْصَر إلى قصر ابن هبيرة فنزل به وأصبح هرثمة متوجهًا في طلبه فوجد جماعة كثيرة من أصحاب أبي السرايا فهزمهم وقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل فلما صار هرثمة إلى قصر ابن هبيرة كانت بينه وبين أبي السرايا وقعة وقتل فيها خلق كثير فلما رأى ذلك أبو السرايا انحاز إلى الكوفة فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيين على دور بني العباس ودور مواليهم وأتباعهم بالكوفة فانتهبوها وهدموها وأحرقوها وخربوا ضياعهم وأخرجوهم من الكوفة وعملوا في ذلك عملًا قبيحًا واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس فأخذوها ‏.‏

وبعث أبو السرايا إلى مكة - محسين بن حسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وبعث إلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب ليأخذها وكان الوالي على مكة والمدينة داود بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فأما المبعوث إلى المدينة فإنه دخلها ولم يمنعه أحد ‏.‏

وأما المبعوث إلى مكة فإنه لما مضى توقف هُنيْهة لمن فيها وكان داود بن عيسى لما بلغه توجيه أبي السرايا حسين بن حسن جمع موالي بني العباس والعبيد وكان مسرور الكبير الخادم قد حجَّ تلك السنة في مائتي فارس من أصحابه وتعبأ لحرب من يريد دخول مكة من الطالبيين فقال لداود‏:‏ أقم لي شخصك أو شخص بعض ولدك وأنا أكفيك قتالهم ‏.‏

فقال له داود‏:‏ لا استحل القتال في الحرم والله لئن دخلوا من هذا الفجّ لأخرجن من هذا الفجّ ‏.‏

فانحاز داود من مكة وقال لابنه‏:‏ صلّ بأهل الموسم وبتْ بمنىً ثم الحقني وخشي مسرور أن يقاتل فيميل عنه أكثر مَنْ جمع ‏.‏

فخرج إلى العراق ودفع الناس لأنفسهم من عرفة بغير إمام حتى أتى مزدلفة فصلى بهم المغرب والعشاء رجل من عرض الناس من أهل مكة وحسين بن حسن واقف يرهب أن يدخل مكة فيدفع عنها فخرج إليه قوم يميلون إلى الطالبيين فأخبروه أن الأماكن قد خلت من السلطان فدخل قبيل المغرب ومعه نحو من عشرة فطافوا وسعوا ومضوا إلى عرفة بالليل ثم رجع إلى مزدلفة فصلى بالناس الفجر ودفع بالناس وأقام بمنى أيام الحج فلم يزل مقيمًا بها حتى انقضت سنة تسع وتسعين وأقام محمد بن سليمان الطالبي بالمدينة حتى انقضت سنته أيضًا ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

إسحاق بن سليمان أبو يحيى العبدي الكوفي مولى لعبد القيس سمع من مالك والثوري وغيرهما

روى عنه‏:‏ قتيبة وأبو كريب وكان ثقة ‏.‏

انتقل إلى الري فسكنها ونسب إليها وكان ثقة صالحًا ورعًا ظاهر الخشوع كثير البكاء وقدم بغداد في هذه السنة فحدَث بها فسمع أحمد بن حنبل ثم رجع إلى الري فمات بها ‏.‏

أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة أبو محمد القرشي مولى السائب بن يزيد من أهل الكوفة ولد سنة خمس ومائة ‏.‏

سمع أبا إسحاق الشيباني والأعمش والثوري وغيرهم روى عنه‏:‏ قتيبة وأحمد بن حنبل ‏.‏

قال يحيى‏:‏ هو ثقة والكوفيون يضعفونه وتوفي في هذه السنة وقيل‏:‏ أول سنة مائتين ‏.‏

الحكم بن عبد الله بن مسلمة بن عبد الرحمن بن مطيع البلخي حدَث عن هشام بن حسان وبكر بن حبيش ومالك وسفيان روى عنه‏:‏ أحمد بن منيع وكان من أهل الرأي وولي قضاء بلخ ‏.‏

قال يحيى‏:‏ وهو ضعيف وليس بشيء ‏.‏

وقال أحمد بن حنبل - وقد سئل عنه -‏:‏ لا ينبغي أن يروى عنه خلوا عنه إنه قال‏:‏ الجنة والنار خلقتا وستفنيان وهذا كلام جهم لا يروى عنه شيء ‏.‏

وقال أبو داود‏:‏ تركوا حديثه كان جهميًا توفي في جمادى الأولى من هذه السنة ‏.‏

سليمان بن أبي جعفر المنصور يكنى أبا أيوب حدث عن أبيه وإليه ينسب درب سليمان ببغداد

توفي في هذه السنة في صفر وهو ابن خمسين سنة ‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال‏:‏ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيوية قال‏:‏ حدَثني عبد الرحمن بن بشر قال‏:‏ حدَثني محمد بن الحسن قال‏:‏ حدّثتني أم إبراهيم بن جميل قالت‏:‏ حدَّثني عبيد الله الشروي قهرمان سليمان بن أبي جعفر قال‏:‏ دخل هارون الرشيد على سليمان بن أبي جعفر وكان عليلًا فرأى جارية تسمى ضعيفة في غاية الحسن والجمال والشكل فوقعت بقلبه فقال هارون‏:‏ هبها لي فقال‏:‏ هي لك يا أمير المؤمنين ‏.‏

فلما أخذها مرض سليمان من شدة حبه لها فقال‏:‏ أشكو إلى ذي العرش ما لاقيت من أمر الخليفة يسع البرية عدله ويريد ظلمي في ضعيفة قال‏:‏ فبلغ ذلك هارون الرشيد فردّها عليه ‏.‏

شعيب بن الليث أبو عبد الملك ولد سنة خمس وثلاثين ومائة روى عن أبيه وغيره‏.‏

وتوفي في هذه السنة علي بن بكار أبو الحسن البصري كان فقيهًا متعبدًا كثير البكاء أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا حمد بن أحمد قال‏:‏ أخبرنا أبو نعيم الأصبهاني قال‏:‏ أخبرنا أبو أحمد بن حبان قال‏:‏ حدَثنا أحمد بن روح قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن حسن قال‏:‏ سمعت موسى بن طريف يقول‏:‏ كانت الجارية تفرش لعلي بن بكار الفراش فيلمه بيده ويقول‏:‏ والله إنك لطيب والله إنك لبارد لا علوتك الليلة فكان يصلي الغداة لوضوء العتمة قال المؤلف‏:‏ أسند علي عن هشام بن حسان وأبي إسحاق الفزاري في آخرين وصحب إبراهيم بن أدهم وبلغنا عنه أنه طعن في بعض مغازيه فخرجت أمعاؤه على قربوس سرجه فردّها إلى بطنه وشدها بالعمامة وقاتل حتى قتل ثلاثة عشر علجًا‏.‏

وتوفي بالمصيصة في هذه السنة ‏.‏

وهو من ولد عكرمة مولى ابن عباس وقيل‏:‏ هو عمارة بن حمزة بن مالك بن يزيد بن عبد الله مولى العباس بن عبد المطلب كان أحد الكتاب البلغاء وكان أتيه الناس حتى ضرب بنيهه المثل فقيل‏:‏ أنيه من عمارة وكان جوَادًا وإليه تنسب دار عمارة ببغداد أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا الخطيب قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ حدًثنا محمد بن عمران بن موسى قال‏:‏ حدَثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي قال‏:‏ حدًثنا محمد بن القاسم بن خلاد قال‏:‏ قال إبراهيم بن داود‏:‏ استأذن قوم على عمارة بن حمزة ليشفعوا إليه في برّ قوم أصابتهم حاجة وكان قد قام من مجلسه فأخبره حاجبه بحاجتهم فأمر لهم بمائة ألف درهم فاجتمعوا ليدخلوا عليه في الشكر له فقال له حاجبه فقال‏:‏ اقرئهم السلام وقل لهم إني رفعت عنكم ذلّ المسألة فلا أحملكم مؤونة الشكر ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا سلامة بن الحسين المقرئ قال‏:‏ أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال‏:‏ أخبرنا القاضي الحسين بن إسماعيل قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أبي سعيد قال‏:‏ حدَّثنا هارون بن محمد بن إسماعيل القرشي قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أيوب المكي قال‏:‏ بعث أبو أيوب المكي بعض ولده إلى عمارة بن حمزة فأدخله الحاجب ‏.‏

قال‏:‏ ثم أدناني إلى ستر مسبل فقال‏:‏ ادخل ‏.‏

فدخلت فإذا هو مضطجع محول وجهه إلى الحائط فقال لي الحاجب‏:‏ سلّم فسلمتَ فلم يرد عليَّ فقال الحاجب اذكر حاجتك فقلت‏:‏ لعله نائم قال‏:‏ لا أذكر حاجتك فقلت له‏:‏ جعلني الله فداك أخوك يقرئك السلام ويذكر دينًا ويقول‏:‏ بهظني وستر وجهي ولولاه لكنت مكان رسولي تسأل أمير المؤمنين قضاءه ‏.‏

فقال‏:‏ وكم دين أبيك قلت‏:‏ ثلاثمائة ألف ‏.‏

فقال‏:‏ وفي مثل هذا أكلم أمير المؤمنين‏!‏ يا غلام احملها معه وما التفت إليَ ولا كلمني بغير هذا‏.‏

قال ابن سعيد‏:‏ وحدَثنا إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال‏:‏ حدَّثني محمد بن سلامة قال‏:‏ حدَثنا الفضل بن الربيع قال‏:‏ كان أبي يأمرني بملازمة عمارة بن حمزة قال‏:‏ فاعتل عمارة وكان المهدي سيئ الرأي فيه فقال له أبي يومًا‏:‏ يا أمير المؤمنين مولاك عمارة عليل وقد أفضى الأمر منه إلى بيع فرشه وكسوته فقال‏:‏ غفلت عنه وما كنت أظن أنه بلغ هذه الحال احمل إليه خمسمائة ألف درهم يا ربيع وأعلمه أن له عندي بعدها ما يحب ‏.‏

قال‏:‏ فحملها أبي من ساعته وقال‏:‏ اذهب بها إلى عمك وقل له‏:‏ أخوك يقرئك السلام ويقول‏:‏ أذكرت أمير المؤمنين أمرك فاعتذر من غفلته عنك وأمر لك بهذه الدراهم وقال‏:‏ لك عندي بعدها ما تحب ‏.‏

قال‏:‏ فأتيته ووجهه إلى الحائط فسلمت فقال لي‏:‏ مَنْ أنت فقلت‏:‏ ابن أخيك الفضل بن الربيع ‏.‏

فقال‏:‏ مرحبًا بك ‏.‏

فأبلغته الرسالة فقال‏:‏ قد كان طال لزومك لنا وقد كنا نحب أن نكافئك على ذلك ولم يمكنا قبل هذا الوقت انصرف بها فهي لك قال‏:‏ فهبته إن أرد عليه فتركت البغال على بابه وانصرفت إلى أبي فأعلمته الخبر فقال‏:‏ يا بني خذها بارك الله لك عمارة ليس ممن يرادّ فكانت أول مال ملكته

هشام بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج أبو طالب التُجيْبِيّ سمع مالك بن أنس وجالس ابن وهب وكان كريمًا جوَّادًا وولي إمرة برقة من أرض مصر وولي شرطة فسطاط مصر‏.‏

وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة ‏.‏

يوسف بن أسباط أبو محمد من قرية يقال لها‏:‏ سيح كان يقول‏:‏ إن أسباط يقول‏:‏ أشتهي أن أموت وما ملكي درهم ولا على عظمي لحم ولا علي دين ‏.‏

فرزق ذلك فأعد في مرضه شيئًا بعشرة دراهم فعزل منها درهمًا لحنوطه وأنفق الباقي ومات

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر بن أحمد السراج قال‏:‏ أخبرنا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب قال‏:‏ أخبرنا أبي قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن مروان المالكي قال‏:‏ حدَثنا إبراهيم بن ديزيل قال‏:‏ سمعت الربيع بن نافع يقول سمعت من يوسف بن أسباط حرفًا في الورع ما سمعت أحسن منه ‏.‏

قلت له يومًا وقد اتخذ كواير نحل‏:‏ لو اتخذت حمامًا ‏.‏

فقال‏:‏ النحل أحبُ إليَ من الحمام الحمام يدخل الغريب فيهم والنحل لا تدخل الغريب فيها فمن ذاك اتخذت النحل ‏.‏

 ثم دخلت سنة مائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه في أول المحرم بعدما تفرّق الحاج من مكة جلس حسين بن حسن الأفطس خلف المقام على نُمرقة مثنيَّة وأمر بالكعبة فجردت من الثياب حتى بقيت حجارة مجردة ثم كساها ثوبين من قَز كان أبو السرايا وجههما معه عليهما مكتوب‏:‏ مما أمر به الأصفر بن الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد لكسوة بيت الله الحرام وأن يطرح عنه كُسوة الظلمة من ولد العباس ليطهره من كُسوتهم وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة ‏.‏

ثم أمر حسين بالكسوة التي كانت على الكعبة فقسمت بين أصحابه العلويين وأتباعهم وعمد إلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه ولم يسمع بأحد عنده وديعة لأحد من ولد العباس وأتباعهم إلا هجم عليه في داره فإن وجد من ذلك شيئًا أخذه وإذا لم يجد شيئًا حبسه وعذبه حتى يفتدي نفسه ‏.‏

وهرب كثير من الناس فهدم دورهم وجعلوا يحكون الذهب الرقيق الذي في رؤوس أساطين المسجد الحرام فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد قدر مثقال وقلعوا شباك زمزم فبيع بالثمن ‏.‏

ومن الحوادث في هذه السنة‏:‏ هرب أبي السرايا من الكوفة ودخول هرثمة إليها وكانت هزيمته بمن معه من الطالبيين ليلة الأحد لأربع عشرة بقيت من المحرم سنة مائتين حتى أتوا القادسية ودخل منصور بن المهدي وهرتمة الكوفة صبيحة تلك الليلة وأمنوا أهلها ولم يعرضوا لأحد منهم فأقاموا بها يومهم إلى العصر ثم رجعوا إلى معسكرهم وخلفوا بها رجلًا منهم يقال له‏:‏ غسَّان بن أبي الفرج ‏.‏

ثم إن أبا السرايا خرج من القادسية هو ومن معه حتى أتوا ناحية واسط وكان بواسط علي بن أبي سعيد وأصحابه وكانت البصرة بيد العلويين بعد فجاء أبو السرايا حتى عبر دجلة أسفل واسط فوجد مالًا كان قد حُمل من الأهواز فأخذه ثم مضى إلى السوس فنزل بمن معه فأقام أربعة أيام وخرق على أصحابه مالًا ‏.‏

فلما كان في اليوم الرابع أتاهم الحسن بن علي الباذغيسي فأرسل إليهم‏:‏ اذهبوا حيث شئتم فلا حاجة لي في قتالكم وإذا خرجتم من عملي فلست أتبعكم ‏.‏

فأبى أبو السرايا إلا قتاله فقاتلهم فهزمهم الحسن واستباح عسكرهم وهرب أبو السرايا فلحق فأتي به الحسن بن سهل فضرب عنقه يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الأول وطيف برأسه في المعسكر وبُعث بجسده إِلى بغداد فصلب بصفين على الجسرين فكان من زمن خروجه إلى وقت مقتله عشرة أشهر والذي كان بالبصرة من الطالبيين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب الذي يقال له‏:‏ زيد النار - وإنما قيل له ذلك لكثرة ما حرق من دور بني العباس وأتباعهم بالبصرة - فتوجّه إليه علي بن سعيد فأخذه أسيرًا فحبسه وقيل‏:‏ إنه طلب منه الأمان فأمنه ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي باليمن وذلك أنه كان بمكة فلما بلغه خبر أبي السرايا والطالبيين بالعراق خرج باليمن في جماعة من أهل بيته ووالي اليمن المقيم بها من قبل المأمون إسحاق بن موسى العلوي وقربه من صنعاء وخرج منصرفًا عن اليمن بعسكره وخلى اليمن لإبراهيم بن موسى وكره قتاله وذهب نحو مكة فلما أراد دخولها منعه من بها من العلويين وكان يقال‏:‏ لإبراهيم بن موسى الجزار لكثرة من قتل باليمن من الناس وسبى وأخذ من الأموال ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ وجه بعض ولد عقيل بن أبي طالب من اليمن في جند كثيف ليحج بالناس فحورب العقيلي وهزم ولم يقدر على دخول مكة ومرت به قافلة من الحاج والتجار وفيها كسوة الكعبة وطيبها فانتهب ذلك وكان على الموسم أبو إسحاق بن الرشيد فبعث إليه من قتل من أصحابه وهرب الباقون ‏.‏

وفيها‏:‏ بويع لمحمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب وذلك أن حسين بن حسن الذي حكينا عنه ما فعل بمكة عن أمر أبي السرايا لما تغير الناس له لسوء سيرته وبلغه أن أبا السرايا قد قتل وأنه قد طرد من كان بالكوفة والبصرة وكور العراق من الطالبيين ورجعت الولاية بها لولد العباس اجتمعوا إلى محمد بن جعفر بن محمد بن علي - وكان شيخًا محببًا في الناس حسن السيرة يروي العلم والناس يكتبون عنه ويظهر زهدًا وسمتًا - فقالوا له‏:‏ قد نعلم حالك في الناس فأبْرِزْ شخصك نبايع لك بالخلافة فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك اثنان فأبى عليهم فلم يزل ابنه به وحسين بن حسن الأفطس حتى غلباه على رأيه فأجابهم فأقاموه بعد صلاة الجمعة لثلاث خلون من ربيع الآخر فبايعوه بالخلافة وحشروا إليه الناس من أهل مكة والمجاورين فبايعوه طوعًا وكرهًا فأقام كذلك أشهرًا وليس له من الأمر سوى الاسم ثم أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي من اليمن فاجتمع العلويون إلى محمد بن جعفر فقالوا له‏:‏ هذا إسحاق بن موسى قد أقبل في الخيل والرحل وقد رأينا أن نخندق على مكة ونحاربه فقاتلوه أيامًا ثم كره إسحاق الفتال فرجع ثم ردّ عليهم وكانت الهزيمة على محمد بن جعفر وأصحابه فطلب محمد الأمان حتى يخرج من مكة فأمنوه ‏.‏

ودخل إسحاق في جمادى الآخرة وتفرق الطالبيون كل قوم فيِ ناحية ومضى محمد بن جعفر بجمع الجموع وجاء إلى والي المدينة فخاصمه فهزم محمد وفقئت عينه وقتل من أصحابه خلق كثير ثم رده قوم من الولاة إلى مكة وضمنوا له الأمان فرقا المنبر بمكة وقال‏:‏ إنه بلغني أن المأمون مات فدعاني الناس إلى أن يبايعوا لي وقد صح عندي أنه حي وأنا استغفر الله مما دعوتكم إليه من البيعة وقد خلعت نفسي من البيعة خرج به عيسى بن يزيد إلى الحسن بن سهل فبعث به الحسن إلى المأمون ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ خالف علي بن أبي سعيد الحسن بن سهل فبعث المأمون بسراج الخادم وقال وفيها‏:‏ خرج هرثمة إلى المأمون وكان قد أتته كتب المأمون أن يلي الشام والحجاز ‏.‏

فأبى وقال‏:‏ لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين إدلالًا منه لما كان يعرف من نصيحته له ولآبائه وأراد أن يِلقى المأمون فيعرفه ما يدبر عليه الفضل بن سهل وما يكتم عنه من الأخبار وأن لا يدع المأمون حتى يرده إلى بغداد دار الخلافة وملك بني العباس فعلم الفضل ما يريد فقال للمأمون إن هرثمة قد أنغَل عليك العباد والبلاد وظاهر عليك عدوّك وعادى وليك ودس أبا السرايا ولو شاء هرثمة لم يفعل أبو السرايا ما فعل وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدة كتب‏:‏ أن يمضي إلى الشام والحجاز فأبى وقد جاء إلى أمير المؤمنين غاضبًا وأبطأ هرثمة في السير فلما قدم ضرب الطبل لكي يعلم المأمون بقدومه فقال المأمون‏:‏ ما هذا فقالوا‏:‏ هرثمة قد أقبل يبرق ويرعد وظن هرثمة أن قوله المقبول فلما دخل قال له المأمون‏:‏ مالأت أهل الكوفة والعلويين وداهنت ودسست إلى أبي السرايا حتى خرج وعمل ما عمل وقد كان رجلًا من أصحابك ولو أردت أن تأخذه لأخذته فذهب هرثمة ليعتذر فلم يسمع منه وأمر به فوجئ على أنفه وديس في بطنه وسحب على وجهه من بين يديه وقد تقدم الفضل بن سهل إلى الأعوان بالغلظة عليه والتشديد حتى حبس فمكث في الحبس أيامًا ثم دس إليه مَنْ قتله وقالوا مات ‏.‏

وفيها‏:‏ وقع شغب ببغداد بين الجند والحسن بن سهل وذلك أن الحسن بعث إلى علي بن هشام وهو والي بغداد من قبله‏:‏ أن امطل الجند أرزاقهم ومنِّهم ولا تعطهم وكان الجند قد قالوا‏:‏ لا نرضى حتى تطرد الحسن بن سهل وعماله عن بغداد فطردوهم وصيروا إسحاق بن المهدي خليفة للمأمون ببغداد وجاء علي بن هشام فقاتل الجند أيامًا على قنطرة الصراة والأرحاء ثم وعدهم أن يعطيهم رزق ستة أشهر إذا أَدركت الغلة فسألوه أن يعجل لكل رجل منهم خمسين درهمًا لينفقوها في رمضان ففعل فبينا هم كذلك خرج عليهم زيد بن موسى بن جعفر الذي كان بالبصرة المعروف بزيد النار وذلك أنه كان محبوسًا عند علي بن أبي سعيد فأفلت من الحبس وخرج بناحية الأنبار ومعه أخو أبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين فبعثوا إليه فأخذ وأتوا به علي بن هشام فلم يلبث إلا جمعة حتى هرب ‏.‏

وفيها‏:‏ أحصي ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا ما بين ذكر وأنثى ‏.‏

وفيها‏:‏ قتلت الروم ملكها أليون وكان قد ملك عليهم سبع سنين وستة أشهر وملكوا عليهم ميخائيل مرة ثانية ‏.‏

وفيها‏:‏ قَتَل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل وذلك أن يحيى أغلظ له فقال له‏:‏ أمير الكافرين فقتل بين يديه في ذي القعدة ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة أبو إسحاق ابن الرشيدُ ‏.‏

أيوب بن المتوكل المقرئ من أهل البصرة سمع عبد الرحمن بن مهدي وغيره روى عنه‏:‏ علي بن المديني ويحيى وكان من القراء ‏.‏

توفي في هذه السنة أبان بن عبد الحميد بن إسحاق بن غفير مولى بني رقاش ‏.‏

من أهل البصرة شاعر مطبوع مقدم قدم بغداد واتصل بالبرامكة وانقطع إليهم وعمل لهم كتاب كليلة ودمنة شعرًا وله قصائد ومدائح في الرشيد والفضل بن يحيى ويقال إِن كل كلام نقل إلى شعر فالكلام أفصح منه إلا هذا الكتاب ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزار قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ قرأت على الجوهري عن أبي عبد الله المرزباني قال‏:‏ أخبرني محمد بن يحيى قال‏:‏ حدَثنا القاسم بن إسماعيل قال‏:‏ حدثني محمد بن صالح الهاشمي قال‏:‏ حدثني ابن لعبد الحميد اللاحقي قال‏:‏ أحب يحيى بن خالد أن يحفظ كتاب كليلة ودمنة فاشتد عليه ذلك فقال له أبان بن عبد الحميد‏:‏ أنا أجعله شعرًا ليخف على الوزير حفظه ‏.‏

فنقله إلى قصيدة عملها مزدوجة عدد أبياتها أربعة عشر ألف بيت في ثلاثة أشهر فأعطاه يحيى عشرة آلاف دينار وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار ‏.‏

وقال له جعفر بن يحيى‏:‏ ألا ترضى أن أكون راويتك لها‏!‏ ولم يعطه شيئًا ‏.‏

قال‏:‏ فتصدق بثلث المال الذي أخذه وكان أبان حسن السيرة حافظًا للقرآن عالمًا بالفقه ‏.‏

وقال عند وفاته‏:‏ أنا أرجو الله وأسأله رحمته ما مضت عليَ ليلة قط لم أصل فيها تطوعًا كثيرًا‏.‏

وأول قصيدته هذه‏:‏ هذا كتاب أدبٍ ومحنه وهو الذي يُدْعى كليل دمنه معروف بن الفيرزان أبو محفوظ ويعرف بالكرخي ‏.‏

نسبة إلى كرخ بغداد كان أهله نصارى وكان صبيًا في المكتب يقول معلمهم‏:‏ أب وابن فيصيح‏:‏ أحدٌ أحدٌ ‏.‏

وأسلم وروى عن بكر بن حبيس والربيع بن صبيح وغيرهما وكان من كبار الزاهدين في الدنيا والعارفين لله المحبين له وكان له كرامات ‏.‏

وذكر مرة عند أحمد فقيل‏:‏ هو قليل العلم فقال‏:‏ وهل يُراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف‏!‏ وكان سفيان بن عيينة يقول‏:‏ لا يزال أهل بغداد بخير ما بقي فيهم معروف ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن عثمان قال‏:‏ أخبرنا ابن مالك القطيعي قال‏:‏ حدَّثنا العباس بن يوسف قال‏:‏ حدًثني سعيد بن عثمان قال‏:‏ سمعت محمد بن منصور يقول‏:‏ مضيت يومًا إلى معروف الكرخي ثم عدت إليه من الغد فرأيت في وجهه أثر شجة فهبت أن أسأله عنها وكان عنده رجل أجرأ مني عليه فقال له‏:‏ كنا عندك البارحة ومعنا محمد بن منصور فلم نر في وجهك هذا الأثر ‏.‏

فقال له معروف‏:‏ خذ فيما تنتفع به ‏.‏

فقال له‏:‏ أسألك بحق الله ‏.‏

فانتفض معروف ثم قال له‏:‏ وما حاجتك إلى هذا‏!‏ مضيت البارحة إلى بيت الله الحرام ثم صرت إلى زمزم فشربت منها فزلت رجلي فنطح الباب وجهي فهذا الذي ترى من ذلك ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أخبرني أحمد بن علي التوزي قال‏:‏ حدَثنا الحسين بن الحسن بن العباس قال‏:‏ حدثني أبو محمد الحسن بن عثمان بن عبد اللهّ البزار قال‏:‏ حدَثني أبو بكر بن الزيات قال‏:‏ سمعت ابن شيرويه يقول‏:‏ كنت أجالس معروفًا الكرخي كثيرًا فلما كان ذات يوم رأيت وجهه قد خلا فقلت له‏:‏ يا أبا محفوظ بلغني أنك تمشي على الماء ‏.‏

فقال لي‏:‏ ما مشيت قط على الماء ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفاها فأتخطاها ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد الخلال قال‏:‏ حدَّثنا عبد الواحد بن علي الفامي قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن سليمان الوراق قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن أبي هارون قال‏:‏ حدَثنا محمد بن المبارك قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن صبيح قال‏:‏ مرّ معروف على سقاء يسقي الماء وهو يقول‏:‏ رحم اللهّ من شرب فشرب - وكان صائمًا - فقال‏:‏ لعل الله أن يستجيب له قال المؤلف‏:‏ توفي معروف في سنة مائتين ويقال‏:‏ في سنة أربع ومائتين والأول أصح وقد جمعت أخباره في كتاب مفرد فلم أطل هاهنا بالتكرار ‏.‏

وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى أبو البختري القرشي حدَّث عن هشام بن عروة وجعفر بن محمد وابن جريج وانتقل عن المدينة إلى بغداد فولاه الرشيد القضاء بعسكر المهدي ثم عزله فولاه مدينة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجعل إليه صلاتها وقضاءها وحربها وكان جوادًا يعتذر إلى مَنْ يعطيه وإن كثر عطاؤه ‏.‏

فقال مادحه‏:‏ هلا فعلت - هداك المليك - فينا كفعل أبي البختري إلا أنه كان يضع الحديث ويسهر الليل في وضعه ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا القاضي أبو الطيب الطبري قال‏:‏ أخبرنا المعافى بن زكريا قال‏:‏ حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال‏:‏ حدثنا وكيع قال‏:‏ حدثنا محمد بن الحسين بن مسعود الزرقي قال‏:‏ حدثنا عثمان بن عثمان قال‏:‏ حدثنا أبو سعيد العقيلي قال‏:‏ لما قدم الرشيد المدينة أعظم أن يترقأ منبر النبي صلى الله عليه وسلم في قباء أسود ومنطقة فقال أبو البختري حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال‏:‏ نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه قباء ومنطقة مخنجرًا فيها بخنجر فقال المعافى التيمي هذه الأبيات‏:‏ ويل وعول لأبي البختري إذا توافى الناس في المحشر من قوله الزور وإعلانه بالكذب في الناس على جعفر والله ما خليت ساعة للفقه في بدو ولا محضر ولا رآه الناس في دهره يمر بين القبر والمنبر قاتل الله أبا وهب لقد أعلن بالزور وبالمنكر يزعم أن المصطفى أحمداَ أتاه جبريل التقي البري عليه خف وقباء أسود مخنجرًا في الحقو بالخنجر أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا التنوخي قال‏:‏ أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قال‏:‏ حدثني عمر بن الحسن الأشناني قال‏:‏ حدثنا جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين‏:‏ أنه وقف على حلقة أبي البختريَ فإذا هو يحدث بهذا الحديث‏:‏ عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فقال له‏:‏ كذبت يا عدوَ الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

قال‏:‏ فأخذني الشرط فقلت‏:‏ هذا يزعم أن رسول رب العالمين نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه قباء ‏.‏

قال‏:‏ فقالوا لي‏:‏ هذا قاضٍ كذاب فأفرجوا عني ‏.‏

توفي أبو البختري ببغداد في هذه السنة ‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ مراودة أهل بغداد منصور بن المهدي على الخلافة فأبى فراودوه على الإمرة عليهم على أن يدعو للمأمون بالخلافة ‏.‏

وقالوا‏:‏ لا نرضى بالمجوسي ابن المجوسي يعنون الحسن بن سهل - فأجابهم المنصور لذلك‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا عليِ بن عمر الحافظ قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم قال‏:‏ حدثنا الحارث بن محمد قال‏:‏ حدثنا محمد بن سعد قال‏:‏ عسكر منصور بن المهدي في سنة إحدى ومائتين بكلواذى وسمي المرتضى ودُعي له على المنابر وسلم عليه بالخلافة فأبى ذلك وقال‏:‏ أنا خليفة أمير المؤمنين المأمون حتى يقدم أو يولي من يحب ‏.‏

وعزل سعد بن إبراهيم عن الجانب الشرقي وولاه قتيبة بن زياد وأقر محمد بن سماعة على قضاء الجانب الغربي ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ تجرَّدت المطوّعة للإنكار على الفساق ببغداد وكان رئيسهم خالد المريوش وسهل بن سلامة ‏.‏

وكان السبب في ذلك‏:‏ أن فساق الجند والشطار أذوا الناس أذىً شديدًا وأظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذوا النساء والغلمان علانية من الطرق وكانوا يجتمعون فيأتون الرجل فيأخذون ابنه فيذهبون به فلا يقدر على المنع منهم وكانوا يجتمعون فيأتون القرى فيأخذون ما قدروا عليه ولا سلطان يمنعهم ولا سلطان يعثر بهم وخرجوا في آخر أمرهم إلى قطربل فانتهبوها علانية وجاءوا بما أخذوه يبيعونه علانية وجاء أهلها فاستعدَوا السلطان فلم يعدِهم وكان ذلك في آخر شعبان فلما رأى الناس ذلك قام صُلحاء كل رَبَض ودرْب ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا‏:‏ إنما يكون في الحرب الواحد الفاسق والفاسقان إلى العشرة فأنتم أكثر منهم وقد غلبوكم فلو اجتمعتم لمنعتم هؤلاء الفساق ‏.‏

فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال له‏:‏ خالد الدريوش فدعا جيرانه وأهل محلته إلى معاونته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابوه فشد على مَنْ يليه من الفساق والشطار فمنعهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان لأنه كان لا يرى أن يُغَيِّر على السلطان شيئًا ثم قام من بعده بيومين أو ثلاثة رجل يقال له‏:‏ سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خُراسان ويكنى‏:‏ أبا حاتم فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلّق مصحفًا في عنقه ثم بدأ بأهل محلته وجيرانه فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه ثم دعا الناس جميعًا إلى ذلك وجعل لنفسه ديوانًا يثبتَ فيه اسم من أتاه يبايعه على ذلك لقتال من خالفه فأتاه خلق كثير فبايعوه إلا أن خالد الدريوش خالفه فقال‏:‏ أنا لا أغير على السلطان شيئًا ولا أقاتله ‏.‏

قال سهل‏:‏ أنا أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنًا مَنْ كان سلطانًا أو غير سلطان فمن بايعني على ذلك قبلته ومن خالفني قاتلته ‏.‏

وقام سهل بذلك يوم الخميس لأربع خلون من رمضان وقوتل من قبل السلطان قاتله عيسى بن محمد بن أبي خالد فقاتل فضرب ضربة بالسيف فرجع إلى منزله ثم اعتذر إليه عيسى أن وفي هذه السنة‏:‏ جعل المأمون علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده وسمَاه الرضيّ من آل محمد صلى الله عليه وسلم وأمر جنده أن يطرح السواد ولبس ثياب الخضرة وكتب بذلك إلى الآفاق وذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من رمضان هذه السنة ‏.‏

فكتب الحسن بن سهل إلى عيسى بن محمد يخبره أن أمير المؤمنين قد جعل علي بن موسى الرضي ولي عهده وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي فلم يجد أحدًا أفضل ولا أورع ولا أعلم منه وأنه سمَاه الرضي من آل محمد صلى الله عليه وسلم وأمر أن يطرح السواد ولبس الخضرة وأن يأمر مَنْ قِبَله من الجند والقواد وبني هاشم بالبيعة له ويأخذهم بلبس الخضرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم ويأخذ أهل بغداد جميعًا بذلك فوصل الكتاب إلى عيسى يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة فدعا أهل بغداد إلى ذلك فاختلفوا فقال قوم‏:‏ نبايع وقال قوم‏:‏ لا نخرج الأمر من ولد العباس وإنما هذا دسيس من قبل الفضل بن سهل وغضب ولد العباس من ذلك واجتمع بعض إلى بعض وتكلموا فيه وقالوا‏:‏ نولي بعضنا ونخلع المأمون وكان المتكلم في هذا والمختلف فيه والمتقلد له‏:‏ إبراهيم ومنصور بن المهدي ‏.‏

 ذِكرُ العَهْدِ الَّذي كتبه المأمون بخطّه

بسم اللهّ الرحمن الرحيم ‏.‏

هذا كتاب كتبه عبد اللهّ بن هارون الرشيد أمير المؤمنين بيده لعلي بن موسى بن جعفر ولي عهده ‏.‏

أما بعد‏:‏ فإن الله اصطفى الإسلام دينًا واصطفى له عباده رسلًا دالين عليه وهادين إليه يبشر أولهم بآخرهم ويصدق تاليهم ماضيهم حتى انتهت نبوة الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل ودروس من العلم وانقطاع من الوحي واقتراب من الساعة فختم الله به النبيين وجعله شاهدًا لهم ومهيمنًا عليهم وأنزل عليه كتابه العزيز الذي ‏{‏لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد‏}‏ بما أحل وحرم ووعد وأوعد وحذر وأنذر ليكون له الحجة البالغة على خلقه ‏{‏ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحيى من حيا عن بيّنة وإن الله لسميع عليم‏}‏‏.‏

فبلّغ عن الله رسالته ودعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ثم الجهاد والغلظة حتى قبضه اللّه إليه واختار له ما عنده صلى الله عليه وسلم فلما انقضت النبوة وختم الله بمحمد الوحي والرسالة جعل قوام الدين ونظام أمر المسلمين بالخلافة وإتمامها وعزها والقيام بحق الله فيها بالطاعة التي بها تقام فرائض الله وحدوده وشرائع الإسلام وسننه ويجاهد بها عدوه فعلى خلفاء الله طاعته فيما استخلفهم واسترعاهم من لمر دينه وعباده وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حق الله وعدله وأمن السبل وحقن الدماء وإصلاح ذات البين وجمع الألفة وفي خلاف ذلك اضطراب أمر المسلمين واختلاف ملتهم وقهر دينهم واستعلاء عدوهم وتفرق الكلمة وخسران الدنيا والآخرة فحق على من استخلفه في أرضه وائتمنه على خلقه أن يجهد لله نفسه ويؤثر على ما فيه رضى الله وطاعته ويعمل لما الله واقفه عليه وسائله عنه ويحكم بالحق ويعمل بالعدل فيما حمله الله وقدمه فإن الله عز وجل يقول لنبيه داود عليه السلام‏:‏ ‏{‏يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون‏}‏ ‏.‏

وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال‏:‏ لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوفت أن يسألني الله عنها وأيم الله إن المسؤول عن خاصة نفسه على عمله فيما بين الله وبينه ليعرض أمر كبير على خطر عظيم فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمة وبالله الثقة وإليه المفزع والرغبة في التوفيق والعصمة والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة والفوز من الله والرضوان والرحمة وأنظر الأئمة لنفسه وأنصحهم لله في دينه وعباده وخلافته في أرضه من عمل بطاعته ودينه وسُنَّة نبيه عليه السلام في مدة أيامه وبعدها فأجهد رأيه ونظره فيمن يوليه عهده ويختاره لإمارة المسلمين ورعايتهم بعده وينصبه علمًا لهم ومفزعًا في جمع ألفتهم ولمّ شعثهم وحقن دمائهم والأمن بإذن الله من فرقتهم وفساد ذات بينهم واختلافهم ورفع نزغ الشيطان وكيده عنهم وإن الله عز وجل جعل العهد بعد الخلافة من تمام أمر الإسلام وكماله وعزه وصلاح أهله وأنهم خلفاؤه من توكيده لمن يختارونه لهم من بعدهم ما عظمت به النعمة وسلمت فيه العاقبة وينقض اللهّ بذلك الشقاق والعداوة والسعي في الفرقة والتربص للفتنة ولم يزل أمير المؤمنين مذ أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقها وثقل محملها وشحة مؤونتها وما يجب على من تقلدها من ارتباط طاعة الله ومراقبته فيما حمله فيها وأنصب بدنه وأسهر عينه وأطال فكره فيما فيه عز الدين وقمع المشركين وصلاح الأمة ونشر العدل وإقامة الكتاب والسنة ومنع ذلك من الخفض والدعة ومهنأ العيش علمًا بما الله سائله عنه ومحبته أن يلقى الله مناصحًا في دينه وعباده ومختارًا لولاية عهده ورعاية الأمة من بعده أفضل ما يقدر عليه في دينه وورعه وأرجاهم للقيام بأمر الله وحقه مناجيًا لله بالاستخارة في ذلك ومسألته إلهامه ما فيه رضاه وطاعته في آناء ليله ونهاره معملًا في طلبه والتماسه في أهل بيته من ولد كبد الله بن العباس وعلي بن أبي طالب فكره ونظره مقتصرًا فيمن علم حاله ومذهبه منهم على الحق علمًا بالغًا في المسألة فيمن خفي عليه أمره وجهده وطاقته حتى استقضى أمورهم معرفة وابتلى أخبارهم مشاهدة وكشف ما عندهم مساءلة فكانت خيرته بعد استخارته لله وإجهاد نفسه في قضاء حقه في عباده من البيتين جميعًا‏:‏ علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما رأى من فضله البارع وعلمه الناصع وورعه الظاهر وزهده الخالص وتخليه من الدنيا ومسلمته من الناس فقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة والألسن متفقة والكلمة فيه جامعة وما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعًا وناشئًَا وحدثًا ومكتهلًا فعقد له العهد والولاية من بعده واثقًا بخيرة الله في ذلك إذ علم الله من فعله إيثارًا له وللدين ونظرًا للمسلمين وطلبًا للسلامة وثبات الحجة والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين ودعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته وخاصته وقوٌاده وجنده فبايعوه مسارعين مسرورين عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى في ولده وغيرهم ممن هو أشبك رحمًا وأقرب قرابة وسمّاه الرّضيّ إذ كان رضا عند أمير المؤمنين فبايعوه معشر بيتَ أمير المؤمنين ومن بالمدينة المحروسة من قواده وجنده وعامة المسلمين لأمير المؤمنين والرضي من بعده على اسم الله وبركته وحسن قّضائه لدينه وعباده بيعة مبسوطة إليها أيديكم منشرحة لها صدروكم عالمين ما أراد أمير المؤمنين بها وأثر طاعة الله والنظر لنفسه ولكم فيها شاكرين لله على ما ألهم أمير المؤمنين من قضاء حقه في رعايتكم وحرصه على رشدكم وصلاحكم راجين عائدة الله في جمع ألفتكم وحقن دمائكم ولم شعثكم وسد ثغوركم وقوة دينكم وقمع عدوكم واستقامة أموركم فسارعوا إلى طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين فإنه الأمر إن سارعتم إليه وحمدتم الله عليه عرفتم الحظ فيه إن شاء الله وكتب بيده لسبع خلون من شهر رمضان المعظم قدره سنة إحدى ومائتين ‏.‏

وكتب الرضي عليه السلام كلمات منها أنه كتب عند قوله‏:‏ اختار من البيتين جميعًا علي بن موسى بن جعفر كتب تحته‏:‏ وصلتك رحمٌ وجزيت خيرًا ‏.‏

وكتب تحت مدحه إياه بقوله‏:‏ وورعه وزهده‏:‏ أثنى الله عليك فأجمل وأجْزَل لك الثواب فأكمل

وكتب تحت قوله‏:‏ فعقد له العهد بعده‏:‏ بل جعلت فداك ‏.‏

وكتب تحت قوله‏:‏ وسمَّاه الرّضي‏:‏ رضي الله عنك وأرضاك وأحسن في الدارينجزاك ‏.‏

ثم كتب الرضي على ظهر العهد ما نسخته‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏.‏

الحمد لله رب العالمين الفعّال لما يريد لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وصلواته على نبيه وعلى آله الطيبين الطاهرين ‏.‏

أقول وأنا علي بن موسى بن جعفر إن أمير المؤمنين عضده الله بالسداد ووفقه للرشاد عرف من حقنا ما جهله غيره فوصل أرحامًا قطعت وأمَنَ أنفسًا فزعت بل أحياها وقد تلفت وأغناها وقد افتقرت مبتغيًا رضا رب العالمين لا يرضى جزاء من غيره وسيجزي الله الشاكرين ولا يضيع أجر المحسنين وإنه جعل إليَّ عهده والإمرة الكبرى إن بقيت من بعده فمن حل عقدة أمرها وفصم عروة أحب إيثاقها فقد أباح حريمه وأحل محرمه إِذ كان بذلك زاريًا على الإمام منتهكًا حرمة الإسلام وقد جعلت لله على نفسي إن استرعاني أمير المؤمنين وقَلدني خلافته العمل فيهم عامة وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة بطاعته وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لا أسفك دمًا حرامًا ولا أبيح فرجًا ولا مالًا إلا ما سفكته حدوده وأباحته فرائضه وأن أتخيّر الكفاة جهدي وطاقتي وقد جعلت بذلك على نفسي عهدًا مؤكدًا يسألني الله عنه فإنه عز وجل يقول‏:‏ ‏{‏وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا‏}‏ فإن حدتُ أو غيرت أو بدلت كنت للتغيير مستحقًا وللنكال متعرضًَا فأعوذ بالله من سخطه وإليه أرغب في التوفيق لطاعته والحول بيني وبين معصيته في عافيته لي وللمسلمين ‏.‏

وقد امتثلت أمر أمير المؤمنين وآثرت رضاه والله يعصمني وإياه وأشهدت الله على نفسي وكفى بالله شهيدًا ‏.‏

وكتبت خطي بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءَه والفضل بن سهل ويحيى بن أكثم وعبد الله بن طاهر وثمامة بن أشرس وبشر بن المعتمر وحماد بن النعمان ‏.‏

في شهر رمضان سنة نُسْخَةُ الشَهادَاتِ رسم أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه وكبت أعداءه - قراءة مضمون هذه الصحيفة ظهرها وبطنها بحرم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروضة والمنبر على رؤوس الأشهاد وبمرأىً ومسمعٍ من وجوه بني هاشم وسائر الأولياء والأجناد بما أوجب أمير المؤمنين الحجة به على سائر المسلمين وأبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين ‏{‏ما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه‏}‏ ‏.‏

وكتب الفضل بن سهل بحضرة أمير المؤمنين في التاريخ المذكور‏:‏ عبد الله بن طاهر بن الحسين أثبت شهادته في تاريخه ‏.‏

شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا المكتوب ظهره وبطنه وهو يسأل الله عز وجل أن يعرف أمير المؤمنين وكافة المسلمين بركات هذا العهد والميثاق وكتب بخطه في التاريخ المبيّن ‏.‏

شهد حماد بن النعمان على مضمون ظهره وبطنه وكتب بيده في تاريخه ‏.‏

بشر بن المعتمر يشهد بذلك وكتب بيده في التاريخ ‏.‏

ثمامة بن أشرس حضر وكتب خطه قال هبة الله بن الفضل بن صاعد الكاتب‏:‏ هذا العهد رأيته بخط المأمون ابتاعه خالي يحيى بن صاعد بمائتي دينار وحمله إلى سيف الدولة صدقة بن منصور وكان فيه خطوط جماعة من الكتاب مثل‏:‏ الصولي عبد الله بن العباس والوزير المغربي ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ بويع لإبراهيم بن المهدي وكان السبب ما ذكرناه وهو أن المأمون لما بايع لعلي بن موسى الرضي نفر العباسيون وأظهروا أنهم خلعوا المأمون وبايعوا لإبراهيم بن المهدي ومن بعده إسحاق بن موسى بن المهدي وضمنوا للجند أشياء يعطونهم وأمروا رجلًا يقول يوم الجمعة حين يؤقت المؤذن‏:‏ إنا نريد أن ندعو للمأمون ومن بعده لإبراهيم يكون خليفة ودسُّوا قومًا فقالوا‏:‏ إذا قام من يتكلم بهذا فقوموا وقولوا‏:‏ لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم ومن بعده لإسحاق وتخلعوا المأمون فلمّا قام مَنْ تكلم بهذا وأجيب بهذا لم يصلّوا في ذلك اليوم الجمعة ولا خطب أحد وصلَى الناس أربع ركعات وذلك في يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ افتتح عبد الله بن خُرْداذْبه والي طبرستان بلادًا من بلاد الديلم وزادها في بلاد الإسلام وافتتح جبال طبرستان ‏.‏

وفيها‏:‏ تحرك بابك الحرمي في الجاويذَانيّة أصحاب جاويذان بن سهل وادعى أن رُوح جاويذان صاحب البذّ دخلت فيه وأخذ في العيْث والفساد ‏.‏

وفيها‏:‏ أصاب أهل خُراسان والري وأصبهان مجاعة وعزَ الطعام ووقع الموت ‏.‏

وحج بالناس في

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة أبو عبد الله العوفي من أهل الكوفة ولي ببغداد قضاء الشرقية بعد حفص بن غياث ثم نقل إلى قضاء عسكر المهدي في خلافة الرشيد أيامًا ثم عزله وحدث عن أبيه وعن الأعمش ومسعر ‏.‏

روى عنه‏:‏ عمر بن شبة وغيره وكان ضعيفًا في الحديث ويُصحف إذا روى وكانت لحيته تبلغ إلى ركبته ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا علي بن القاسم بن الحسن الشاهد قال‏:‏ حدثنا علي بن إسحاق المادرائي قال‏:‏ حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال‏:‏ وحدثني بعض أصحابنا قال‏:‏ جاءت امرأة إلى العوفي قاضي هارون ومعها صبي ورجل فقالت‏:‏ هذا زوجي وهذا ابني منه فقال له‏:‏ هذه امرأتك ‏.‏

قال‏:‏ نعم قال‏:‏ وهذا الولد منك قال‏:‏ أصلح الله القاضي أنا خصي قال‏:‏ فألزمه الولد فأخذ الصبي فوضعه على رقبته وانصرف فاستقبله صديق له خصي والصبي على عنقه فقال‏:‏ مَنْ هذا الصبي فقال‏:‏ القاضي يفرق أولاد الزنا توفي العوفي في هذه السنة ‏.‏

سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري سمع أباه وغيره روى عنه‏:‏ أحمد بن حنبل وخلف بن سالم وكان صدوقًا ثقة ولي القضاء بواسط في خلافة هارون ثم ولي قضاء العسكر للمهدي ببغداد ثم عزل فلحق بالحسن بن سهل وهو بفم الصلح فولاه قضاء عسكره ‏.‏

وتوفي بالمبارك في هذه السنة وهو ابن ثلاث وستين سنة ‏.‏

عبد الله بن الفرج أبو محمد القنطري كان أحد العُبَّاد وكان بشر الحافي يوده ويزوره ‏.‏

روى عنه‏:‏ البرجلاني وعلي بن الموفق أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا العتيقي قال‏:‏ حدثنا محمد بن العباس قال‏:‏ حدثنا العباس بن العباس الجوهري قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن عمرو قال‏:‏ حدثنا محمد بن بيان المكي قال‏:‏ حدثني صاعد قال‏:‏ لما مات عبد الله بن الفرج حضرت جنازته فلمّا واريته رأيته في الليل في النوم جالسًا على شفير قبره ومعه صحيفة ينظر فيها فقلت له‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ علي بن عاصم بن صهيب أبو الحسن مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق ‏.‏

من أهل واسط ولد سنة ثمان ومائة وقيل‏:‏ سنة خمس ومائة وسكن بغداد وحدث بها عن حصين بن عبد الرحمن ومحمد بن سوقة وداود بن أبي هند وإسماعيل بن أبي خالد وابن جريج وحميد الطويل روى عنه‏:‏ أحمد بن حنبل وغيره إلا انهم قالوا‏:‏ كان يخطئ فضعّفوه بذلك ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا مسعود بن ناصر بن أبي زيد السكري قال‏:‏ حدثنا أبو الفضل محمد بن الفضيل المزكي قال‏:‏ حدثنا أبو نصر أحمد بن الحسين المرواني قال‏:‏ سمعت زنجوية بن محمد اللًباد يقول‏:‏ سمعت عبد الله بن كثير البكري يقول‏:‏ سمعت أحمد بن أعين يقول‏:‏ سمعت علي بن عاصم يقول‏:‏ دفع إليَ أبي مائة ألف درهم وقال‏:‏ اذهب فلا أرى وجهك إلا بمائة ألف حديث ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال‏:‏ أخبرنا الخطيب قال أخبرنا أبو الوليد الحسن بن محمد الدربندي قال‏:‏ حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الحافظ قال‏:‏ حدثنا أحمد بن سهل بن حمدويه قال‏:‏ سمعت أبا نصر بن الليث بن حبرويه يقول‏:‏ سمعت يحيى بن جعفر يقول‏:‏ كان يجتمع عند أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال حدثني الحسن بن علي المقرئ قال‏:‏ حدثني أبو عمر بن مهدي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب قال‏:‏ حدثني جدي قال‏:‏ حدثني يوسف بن يعقوب الصفار قال‏:‏ سمعت عاصم بن علي بن عاصم يقول‏:‏ قال‏:‏ أخبرنا أبي أنه صام ثمانين شهر رمضان ومات وهو ابن أربع وتسعين سنة ‏.‏